رمضان والكورونا: إدارة الأزمة

د. سامي ميعاري – محاضر في جامعه تل ابيب وجامعه اوكسفورد ومدير عام المنتدى الاقتصادي العربي

ما زال العالم يواجه شبح فيروس الكورونا واسقاطاته على البشرية بكافة الوسائل والامكانيات المتاحة ونحن في المجتمع الفلسطيني في الداخل نشهد تأثيرا كبيرا لهذه الازمه التي من الممكن ان تعيق التطور الاقتصادي الذي شهدناه في السنوات الأخيرة. تزداد المخاوف خاصة مع اقتراب شهر رمضان الفضيل لاحتمال ازدياد عدد المصابين في المجتمع العربي وزيادة الاغلاقات وتأثيرها على المرافق الاقتصادية في الأيام القريبة. ولكن هذا مرتبط بالأساس بسلوكياتنا الاجتماعية والاقتصادية خلال شهر رمضان. لكي نتجنب التأثير ونتجاوز الازمه على كافة المستويات ونبقي لهذا الشهر معانيه التي أراد الله تعالى منها أن تسهم في تعزيز منهج حياة يرقى لمستوى التعاليم ويحافظ على ديمومة الاتجاه القويم في الفكر الإنساني، يتطلب من المجتمع العربي وتحت مظلة لجنه المتابعة العربية ان نعمل بجهد لاحتواء تأجج الأزمة في الأيام القريبة من خلال:

  1. التقيد بتعليمات وزارة الصحة بخصوص التجمعات الاجتماعية والعائلية لذا يجب تخطيط مسبق لحجم المصاريف وفقا لتقليص التجمعات وانتهاز الفرصة لضبط الاستهلاك وترشيد الأنفاق.
  1. تشكيل لجان محليه موحده في كل بلد عربي مركبه من اللجنة الشعبية وقسم الشؤون الاجتماعية ولجنه الزكاة من اجل اجراء مسح محلي للعائلات المحتاجة وتوفير المساعدة لهذه العائلات. مع التأكيد على ان العمل الموحد لكافة الأطر المحلية ضروري في هده المرحلة لكي يتم الوصول الى جميع العائلات المحتاجة في كل بلد واتحه توزيع المساعدات بشكل متساوٍ بين العائلات. هدا النوع من المساعدات يساهم في التكافل المؤطر لنسيج اجتماعي واحد وقيم نبيلة وله دوراً هائلاً في إدارة عجلة التنمية والنشاط الاقتصادي لأنها تزيد من الاستهلاك في المجتمع مما يحفز على النشاط الاقتصادي والسيولة المالية ويقلص من انعدام المساواة الاقتصادية بين طبقات المجتمع ولكن المطلوب هو تفعيل وحسن إدارة هده المساعدات وتوجيهها الوجهة الصحيح لتؤدي الغرض المطلوب وأساس ذلك يتم من خلال الوصل لكافة العائلات المحتاجة على المدى القصير واستثمارها في مشاريع إنتاجية بدل الاكتفاء بتوزيعها النقدي للاستهلاك والإنفاق على المدى البعيد.
  1. زيادة الرقابة على الأسعار، من أسوأ الظواهر في رمضان استغلال التجار والسوق للناس في رفع الأسعار خاصه منتجات المأكولات والخضار والفواكه والملابس. الطبقة الفقيرة التي تشكل ما يقارب نصف العائلات العربية هي المتضرر الأول من لهيب الأسعار فتنخفض لدى الفقراء سلة المشتريات وتنغمس هذه الطبقة الكادحة في شقاء توفير مستلزمات البيت الرمضانية. لذا فلا بد تشكيل لجنه مختصة من قبل لجنه المتابعة العربية تقوم بمراقبه الأسعار خلال شهر رمضان والتعامل بحذر مع السوق بسبب ارتفاع الأسعار خلال رمضان. عمل اللجنة يكون من خلال الكشف عنها عن طريق وسائل الاعلام واتاحه الفرصة للناس التوجه لهذه اللجنة والابلاغ عن المصالح التي تقوم برفع الاسعار.
  1. ترشيد وضبط الاستهلاك عند العائلات والابتعاد عن الشراء النزوي أو التلقائي من خلال زيادة الوعي في عدم الإسراف والتبذير غير المبرر الذي يفاقم من أزماتنا الاقتصادية ويفرغ المعنى من محتواه وترتبط صورته في الأذهان بالطعام والشراب والأسواق. رغم التقدم الاقتصادي الدي حدث في السنوات الأخيرة الا ان المجتمع العربي ما زال يرزح تحت ضغط أزمة اقتصادية مستعصية تتفاقم عاماً بعد آخر، مقارنة بالمجتمع اليهودي، ومؤشرات الاقتصاد العربي تؤدي لنتائج غير مريحة ، فنسبة النساء العربيات من القوى العاملة لا تتعدى 30% ومعدل دخل الفرد العربي هو نصف معدل دخل الفرد اليهودي وما يقارب 55% من العاملين العرب يعملون بثمن بخس دراهم معدودة وهذا كله ليس بمنأى عن أن الاقتصاد العربي في مجتمعنا مرتبط ارتباطا كليا تبعيا بالاقتصاد اليهودي وذلك مؤداه أننا مجتمع مستهلك غير منتج. إن مثل هذه الحقائق تحتم علينا التخطيط الاقتصادي المريح الممنهج ولعل ما يلفت النظر هو تصرف العائلة العربية وتخطيطها خلال الشهر الكريم، النهج الذي يتصدره هو الإسراف والتبذير والإنفاق غير المحسوب والمفتقد إلى آلية متزنة في الحسابات والتقادير مما ينجم عنه دخول الأفراد والأُسر في ضائقات اقتصادية وشح في السيولة المالية بعد انتهاء الشهر الفضيل بسبب ما سبق فتضطر العائلات للجوء للسوق السوداء والمستغلين لحاجة الناس. وتشير الأبحاث الى ما يقارب 60% من قراراتنا الشرائية هي قرارات نزويه مما يعنيه اننا نستطيع توفير 60% من دخلنا وتجنب ادخال ميزانيه البيت الى عجز، لذا يتطلب من العائلات:

ا. التسوق الذكي من خلال التوجه للتسوق ليلاً لما في ذلك من ضبط لأن الصائم أثناء النهار ينجر لشراء كل ما تقع عليه عينه انقيادا لشهية الطعام أثناء الصيام.

ب. التخطيط المسبق للمشتريات من خلال تسجيل قائمه الاحتياجات الضرورية قبل الذهاب للتسوق والالتزام بها. إن على المشتري أن يتعامل مع الشراء على حسب قدرته لا على حسب رغبته فلو تركت الأمور للرغبات فهي غير محدودة ولا ضابط لها ولكن القدرة هي المعيار الذي يجب أن يستند إليه المشتري حتى لا يتم استدراجه إلى ما لا يطيق من الأعباء والعجز المالي.

ج. ان يقوم فرد واحد من العائلة من الشراء وليس كل افراد العائلة ليقلل من شراء حاجيات ليست مسجلة في قائمة الاحتياجات ويمنع الاختلاط الكبير في الاماكن العامة في ظل انتشار الفيروس.

د. الاكتفاء في الطبخ المحدد وفقا لاحتياجات افراد الأسرة وعدم الاسراف واهدار الاكل.

ه. استغلال شهر رمضان لخفض مستوى الاستهلاك وليس زيادة الاستهلاك.

  1. إثراء الإدارة الناجحة خلال شهر رمضان من خلال التخطيط المنزلي وترشيد الإنفاق. إن دخل الفرد خلال اثني عشر شهراً يجب أن يتوازن مع الإنفاق على اثني عشر شهراً، لكن الذي يحدث أن الإنفاق في شهر رمضان يزداد ويليه العيدان وكذلك بدء العام الدراسي وهذا معناه أن الإنفاق للأُسرة العربية في العام الواحد يعادل ستة عشر شهراً وذلك يؤدي الى خلل ونقصا في الموازنة لأربعة أشهر في السنة. على الأسرة العربية أن توفق بين قدرتها المالية ومصروفاتها من خلال ثقافة الإنفاق الرشيد فلا بد مرة أخرى من الاعتناء بترسيخ ثقافة الإنفاق المعتدل المتوازن من خلال التنسيق والتوازن بين الدخل والإنفاق.

الاقتصاد عصب الحياة ومحور الصراعات بين الدول والأمم ويؤثر مباشرة في التكوين الاجتماعي وله دور في هذه المنظومة من النتاج البشري. وهدا يتطلب منا المسؤولية الفردية والجماعية من اجل منع اهدار اقتصادنا المبني على سلوكيات خاطئة تستنزف قدراتنا ومواردنا ويحتم علينا إيجاد عادات سلوكية قيمة تسهم في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.



اترك تعليقاً